ابن كثير
380
البداية والنهاية
خليل بن المنصور ، فلبس خلعة سوداء وخطب الناس بالخطبة التي كان خطب بها في الدولة الظاهرية ، وكانت من إنشاء الشيخ شرف الدين المقدسي في سنة ستين وستمائة ، فيكون بين الخطبتين أزيد من ثلاثين سنة ، وذلك بجامع قلعة الجبل ، ثم استمر ابن جماعة يخطب بالقلعة عند السلطان ، وكان يستنيب في الجامع الأزهر . وأما ابن بنت الأعز فناله من الوزير إخراق ومصادرة وإهانة بالغة ، ولم يترك له من مناصبه شيئا ، وكان بيده سبعة عشر منصبا ، منها القضاء والخطابة ونظر الأحباس ( 1 ) ومشيخة الشيوخ ، ونظر الخزانة وتداريس كبار ، وصادره بنحو من أربعين ألف ، غير مراكبه وأشياء كثيرة ، ولم يظهر منه استكانة له ولا خضوع ، ثم عاد فرضي عنه وولاه تدريس الشافعي ، وعملت ختمة عند قبر المنصور في ليلة الاثنين رابع ذي القعدة وحضرها القضاة والامراء ، ونزل السلطان ومعه الخليفة إليهم وقت السحر ، وخطب الخليفة بعد الختمة خطبة بليغة ، حرض الناس على غزو بلاد العراق واستنقاذها من أيدي التتر ، وقد كان الخليفة قبل ذلك محتجبا فرآه الناس جهرة ، وركب في الأسواق بعد ذلك . وعمل أهل دمشق ختمة عظيمة بالميدان الأخضر إلى جانب القصر الأبلق ، فقرئت ختمات كثيرة ثم خطب الناس بعدها الشيخ عز الدين القاروني ، ثم ابن البزوري ، ثم تكلم من له عادة بالكلام وجاءت البريدية بالتهيؤ لغزو العراق ، ونودي في الناس بذلك ، وعملت سلاسل عظام بسبب الجسورة على دجلة بغداد ، وحصلت الأجور على المقصود وإن لم يقع المقصود ، وحصل لبعض الناس أذى بسبب ذلك . وفيها نادى نائب الشام الشجاعي أن لا تلبس امرأة عمامة كبيرة ، وخرب الأبنية التي على نهر بانياس والجداول كلها والمسالح والسقايات التي على الأنهار كلها ، وأخرب جسر الزلابية وما عليه من الدكاكين ، ونادى أن لا يمشي أحد بعد العشاء الآخرة ، ثم أطلق لهم هذه فقط ، وأخرب الحمام الذي كان بناه الملك السعيد ظاهر باب النصر ، ولم يكن بدمشق أحسن منه ، ووسع الميدان الأخضر من ناحية الشمال مقدار سدسه ، ولم يترك بينه وبين النهر إلا مقدارا يسيرا ، وعمل هو بنفسه والامراء بحيطانه . وفيها حبس جمال الدين آقوش الأفرم المنصوري وأميرا آخر معه في القلعة . وفيها حمل الأمير علم الدين الدويداري إلى الديار المصرية مقيدا . وقد نظم الشيخ شهاب
--> ( 1 ) هو ديوان الأوقاف ، وقد أنشئ أول ما أنشئ في عهد الفاطميين وكان يتولى شؤون الأوقاف الخاصة والعامة . ولا يخدم فيها إلا أعيان كتاب المسلمين من الشهود والمعدلين ومتوليه يختار من بين العلماء المشهورين بالتقوى والصلاح ، وكان ناظر هذا الديوان يشرف على رواتب العلماء والفقهاء وأرباب الحديث وأئمة المساجد ( التعريف بمصطلحات صبح الأعشى 141 ) .